· مقالات

اللامركزية الإنمائية الموسّعة في لبنان

قراءة موضوعية بين الفرص والتحديات ومخاطر التطبيق

بقلم: د. عبدالرزاق القرحاني

EYE Contact لموقع

الحديث عن اللامركزية في بلد يواجه أزمات متداخلة،(تباينات سياسية وانهيارات اقتصادية، وضعف في الخدمات العامة، وتفشّي للفساد، وتهميش للمناطق، وهجرة للشباب ). ليس مجرد آلية إدارية، بل يجب أن يكون مشروعاً إصلاحاً شاملاً يُعيد بناء علاقة المواطن بالدولة

إلا أن اللامركزية الإنمائية الموسّعة تتجاوز اللامركزية الإدارية التقليدية، لتشمل صلاحيات مالية وتشريعية وتنموية. فيتم من خلالها نقل صلاحيات حقيقية من السلطة المركزية إلى السلطات المحلية. وتساهم في تمكين المناطق إقتصادياً ومالياً، والإشراف على إدارة مواردها، وتحدد أولويات مشاريعها التنموية. وتشرع الأبواب لمشاركة مجتمعية في التخطيط واتخاذ القرار

وإذا كان هذا البلد (لبنان) يعاني من تمركز الاقتصاد والخدمات في العاصمة والمناطق الساحلية. فاللامركزية تُمكّن المناطق الداخلية والريفية من استثمار مواردها الزراعية والسياحية. وتطوير البنى التحتية المحلية. وخلق فرص عمل وإبطاء الهجرة للشباب

وإذا كان المواطن اللبناني يتذمّر من عدم جودة الكهرباء والماء والطرقات، ويتأفف من أزمة النفايات. فإن اللامركزية تساهم في: اتخاذ قرارات محلية أسرع، مرتبطة بحاجات المجتمع والمنطقة. ومراقبة ومساءلة ومحاسبة المسؤولين المحليين بدقة وقوة أكبر

كما من شأنها إشراك المواطنين في تحديد أولويات المشاريع. وتخفيف الاحتقان المناطقي. وتزيد من الشفافية والمساءلة إذا رافقها إشراف قوي من مؤسسات رقابية مدنية وقضائية

:إلا أن التحديات التي تواجه تطبيق اللامركزية الإنمائية الموسعة في لبنان تتجلى في

البنية السياسية والطائفية

فالنظام اللبناني مبني على توازن طائفي وتقاسم للسلطات المركزية، فيُخشى أن تتحوّل اللامركزية إلى تعميق الانقسامات الطائفية والمذهبية، إذا تحكّم الزعماء المحليون بطوائفهم. واستغلها كبار السياسيين لإعادة إنتاج زعاماتهم على المستوى المحلي

ضعف القدرات الإدارية المحلية

فالبلديات والمجالس المحلية في كثير من المناطق تفتقد إلى كفاءات فنية في التخطيط المالي والإداري. والنظم المحاسبية والرقابية القوية

- إضافة إلى أن توزيع الموارد المالية ما زالت مركزية، فلا توجد قاعدة ضريبية مستقرة على المستوى المحلي. ولا تمتلك الادارة المحلية أدوات كافية لتحصيل مواردها

- *أما على المستوى السياسي فالأحزاب والقوى التقليدية وأركان السلطة يخشون فقدان النفوذ والموارد، ما يجعل أي مشروع للامركزية يواجه عراقيل تشريعية. وتعطيل في تنفيذ القوانين والأنظمة

- علماً أنه في حال إقرار اللامركزية ونقل الصلاحيات، فإن النقص الحاد في البنى التحتية الأساسية لكثير من المناطق، يجعلها غير مجهزة تقنياً لإدارة الخدمات العامة من (كهرباء ومياه واتصالات ....) وتحتاج إلى استثمارات ضخمة قبل أن تصبح مؤهلة لتولي مسؤولياتها الجديدة

:أما بالنسبة للمخاطر المحتملة - إن لم تُدار اللامركزية بشكل صحيح - فإنها

تكرّس الفوارق المناطقية، وخاصة في حال عدم وجود آلية توزيع عادلة للموارد، فتصبح المناطق الغنية أكثر ازدهاراً. والمناطق الفقيرة أكثر فقراً وحرماناً، مما يفاقم في الهجرة الداخلية والخارجية

- *وإذا لم تترافق اللامركزية مع آليات رقابة فعّالة*، ستتحوّل الأموال المحلية إلى محطة فساد جديدة. وستزيد من ظاهرة الزبائنية السياسية على المستوى المحلي

- *وقد تساهم في تفكك السيطرة المركزية إلى حدّ يعيق التماسك الوطني*، فبدل من أن تكون اللامركزية أداة توحيد، قد تتحوّل إلى سلطات محلية منفصلة عن إستراتيجية وطنية موحدة. وتزيد من التنافس والاحتقان بين المناطق على المشاريع والاستثمارات

- *وقد تؤدي الى انعدام رؤى تنموية متسقة ومتناغمة*، وخاصة إذا لم يكن هناك إطار وطني للتنمية، فكل منطقة ستعمل بعشوائية. وستزيد من التضارب في السياسات المحلية على حساب المنطق الاقتصادي والاجتماعي

لإنجاح اللامركزية الإنمائية الموسعة في لبنان لا بد من

قوانين واضحة وملزمة تضمن توزيع الصلاحيات بوضوح، وتحدد آليات تمويل مستقرة

بناء القدرات المحلية من خلال برامج تدريبة، ونظم محاسبية، ودعم فني من المجتمع المدني والخبراء المحليين والدوليين

بالاضافة الى آليات رقابية قوية لمنع الفساد، من خلال مجالس محلية منتخبة. وشفافية في العقود والمشاريع. ورقابة من منظمات مستقلة

و وضع رؤية تنموية وطنية متكاملة* توازن بين الصلاحيات المحلية، وأهداف التنمية الوطنية. وتؤكد على المشاركة الحقيقية والفعالة للمجتمع المدني

إن طرح تطبيق اللامركزية الإنمائية الموسّعة في لبنان ليس ترف فكري وليست رفاهية إصلاحية، بل ضرورة ملحة لإخراج البلاد من نفق المحاصصة والطائفية, والاقتصاد المترهل والمتدهور. هي فرصة لإعادة الثقة بين المواطن والدولة، وتوزيع عادل للموارد في كل مدينة وقرية، وتنمية مستدامة بأجمل حلة

لكن نجاحها يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ومقاربة شفافة ومواكبة للمتغيرات الدولية، ومؤسسات قوية، وشراكة مجتمعية واسعة. ومن دون هذه التأسيسات والمؤسسات، تتحوّل اللامركزية من حلّ جذري إلى مزيد من التحديات والمخاطر. ومن فرصة إنقاذ الى مغامرة ومقامرة سياسية، ومن خيار إنمائي إلى إعادة إنتاج للأزمات، ومن وعود إصلاحية إلى مخاطر يفرضه نظامنا السياسي والواقع الطائفي والمذهبي