رمضان هلّ هلاله
بقلم: د. عبدالرزاق القرحاني
EYE Contact لموقع
جاء رمضان وهل هلاله، ليس ضيفاً عابراً، بل حاضراً بين العيون.. يطرق القلوب قبل الأبواب بكل سكون.. ويستدعي الإنسان إلى وقفة صادقة مع نفسه، ومع زمنه، ومع ما بقي له من العمر المكنون
يأتي رمضان في كل عام.. لكن حضوره ليس تكراراً للأيام.. إنما هو إمتحان متجدد للوعي والإلهام.. وفرصة نادرة لاستعادة المعنى (وسط ضجيج الحياة) للإقدام
رمضان الحاضر بين العيون ليس شهراً يُرى بالهلال وحده، بل يُبصر بتبدّل الوجوه، وبانكسار حدّة العجلة، وبعودة الأسئلة الكبرى إلى الواجهة
من نحن؟ وإلى أين نمضي؟ وما الذي أهدرناه في الطريق؟
في هذا الشهر، تتباطأ الخطى قليلًا، فينكشف ما كان مستتراً، وتظهر حقائق طال إخفاؤها تحت ستار الإنشغال والعجلة الزائفة
في رمضان، يستعيد العقل حضوره المكنون. فيخرج من سباته الطويل الذي فرضته العادات والاستهلاك والتكرار، ليعود أداة تفكّر وتأمل، لا مجرد وسيلة تبرير
الصيام لا ينقي الجسد فحسب، بل يوقظ العقل من خدره، ويحرّره من سطوة الرغبات اليومية، فيصبح التفكير أصفى، والتمييز أوضح، والإختيار أكثر مسؤولية
رمضان مدرسة لمعنى الزمن، وحقيقة الروح. فيه ندرك أن الوقت ليس مجرد ساعات تتوالى، بل أمانة تُملأ أو تُفرَّغ. النهار فيه طويل على الغافلين، قصير على الذاكرين، والليل فيه مساحة للبوح والمراجعة
أما الروح، فتتكشّف حقيقتها حين تخفّ أثقال الجسد، وحين يكتشف الإنسان أنه لا يحيا بالخبز وحده، بل بما يحيي ضميره ويصلح داخله
في رمضان، تنكشف حقائق العمر المخدَّر، والشباب المُهدَر، والمال المُبعثَر
نرى كم من أعوام مرّت بلا أثر، وكم من طاقات هدرت في غير موضعها بين البشر، وكم من أموال ذهبت حيث لا حاجة ولا عدل بها يزخر
الصيام ليس امتناعاً عن الطعام فقط، بل امتناع عن هدر الوقت، وهدر القدرة، وهدر الفرص. إنه دعوة صريحة لإعادة ترتيب الأولويات، قبل أن يفوت الأوان
وعلى المستوى الإجتماعي والإنساني، يعيد رمضان وصل ما انقطع بين الناس. يذكّر الغني بالفقير، والقوي بالضعيف، ويجعل من التكافل فعلاً يومياً لا شعاراً موسمياً. فتتسع موائد الرحمة، لا بالطعام وحده، بل بالكلمة الطيبة، وبالعفو، وبالإحساس بالآخر
في رمضان، يتدرّب المجتمع على أن يكون أقل قسوة، وأكثر إنصافاً
وفي كل ذلك، تتجلّى نعم الله. نعمٌ ظاهرة وباطنة: فمن نعمة الإيمان، الى نعمة الفرصة، وصولاً إلى نعمة القدرة على التوبة والعودة
رمضان ليس شهر الحرمان، بل شهر الامتنان.. فيه نعرف قيمة ما بين أيدينا حين نُحسن النظر بكل إنسان، ونُحسن الشكر للواحد الديّان
جاء رمضان وهلّ هلاله… ليقول لنا إن الحياة يمكن أن تكون أصدق، وإن الإنسان قادر على أن يكون أفضل، وإن الطريق إلى الله يبدأ بنية صادقة وبخطوة واعية فيها رجاء وأمل
