· مقالات

:ظاهرة

“Senior Walk” و "Promposal"

في ميزان التربية والتعليم والقيم والحريات

بقلم: د. عبدالرزاق القرحاني

EYE Contact لموقع

في السنوات الأخيرة، بدأت بعض المدارس والبيئات الطلابية تشهد إنتقال ظاهرة إحتفالية دخيلة على ثقافتنا التربوية والإجتماعية، أبرزها ما يعرف بظاهرة

“Senior Walk” و”Promposal”

، وهي ممارسات وإحتفالات ترتبط عادة بطلاب السنوات النهائية في المدارس الثانوية

وبالرغم من أن أصل الفكرة كانت تقوم على تقليد يعود فيه طلاب السنة النهائية إلى مدارسهم الإبتدائية أو المتوسطة التي درسوا فيها وهم أطفال، مرتدين أرواب وقبعات التخرج. بهدف إلهام الطلاب الصغار، وخلق شعور لديهم بالاستمرارية والنجاح، بالإضافة إلى كونها لحظة عاطفية مؤثرة للخريجين ومعلميهم القدامى لاسترجاع الذكريات. بأجواء من الفرح والبهجة يتم الترحيب بالخريجين بالتصفيق والهتاف من قبل طلاب المدرسة والمدرسين أثناء مرورهم في الممرات

إلا أنها تحولت إلى جولات إستعراضية داخل المدرسة أو خارجها، تترافق أحياناً مع مظاهر صاخبة، واستعراض للسيارات الفارهة، وإطلاق الألعاب النارية، إضافة إلى تقديم دعوات لحفلات التخرج بأساليب استعراضية مبالغ فيها تُعرف باسم

“Promposal”

الأصل في الاحتفال بالتخرج أو الإنجاز الدراسي أمر مشروع وطبيعي، يعكس فرحة الطالب وأهله بسنوات من الجهد والتعب، إلا أن ما يحدث في كثير من الحالات تجاوز حدود الفرح المنضبط، وتحول إلى ظاهرة تثير القلق التربوي والإجتماعي والأخلاقي، لما تتضمنه من سلوكيات تمسّ هيبة المدرسة، وتؤثر سلباً على البيئة التعليمية، وتخلق حالة من التفاوت والتمييز بين الطلاب

وفي بعض الأحيان، تتحول هذه الإحتفالات إلى ساحات للفوضى والإنفالات، حيث يُعتدى على الممتلكات العامة والخاصة، وتُستخدم المفرقعات بصورة خطرة، وتُمارس فيها تصرفات غير منضبطة داخل الحرم المدرسي وخارجه، إضافة إلى ما يرافقها من إسراف مالي مبالغ فيه، سواء في الملابس أو الزينة أو السيارات أو الهدايا، وكأن قيمة الطالب باتت تُقاس بحجم الإنفاق لا بحجم التفوق والأخلاق

والأخطر من ذلك، أن هذه المظاهر تُنتج لدى عدد من الطلاب شعوراً بالنقص أو الإقصاء الإجتماعي، خصوصاً لدى الأسر الغير قادرة على مجاراة هذا النمط الإستهلاكي

فبدلاً من أن تكون المدرسة مساحة للمساواة والتكافؤ، تتحول تدريجياً إلى بيئة تُبرز الفوارق الطبقية بين الطلاب، وتزرع في نفوس البعض الإحباط أو الشعور بالدونية

كما أن الإنشغال بالمظاهر الفارغة والاستعراض الإعلامي ينعكس بصورة مباشرة على سلوك الطلاب وأولوياتهم، فيتراجع مفهوم الإجتهاد العلمي والإنضباط الأخلاقي أمام ثقافة الشهرة المؤقتة والبحث عن لفت الأنظار، خاصة في ظل التأثير الكبير لوسائل التواصل الإجتماعي، التي تدفع بعض الطلاب إلى تصوير هذه الممارسات ونشرها سعياً وراء التفاعل والإعجابات، ولو على حساب القيم والآداب العامة

إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في شكل الإحتفال، بل في الرسائل التربوية الضمنية التي تُرسَّخ في عقول الناشئة. إذ يُصبح التفاخر، والإسراف، والتباهي، والتعدي على النظام العام، أموراً “طبيعية” أو حتى “مطلوبة” اجتماعياً، بينما تتراجع قيم الإحترام، والتواضع، والإلتزام، والمسؤولية الجماعية

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الطلاب وحدهم، بل تبدأ أولاً من الأسرة، التي يفترض أن تكون الحاضن الأول للقيم والضوابط الأخلاقية. فالأهل مدعوون إلى ترسيخ ثقافة الإعتدال، وتعليم أبنائهم أن قيمة الإنسان لا تُقاس بالمظاهر ولا بحجم الإنفاق، بل بالأخلاق والعلم والسلوك الحسن

كما أن التساهل المفرط مع هذه التصرفات، أو التباهي بها من قبل الأهل، يسهم بصورة غير مباشرة في تفاقم المشكلة

أما المدرسة، فهي مطالبة باستعادة دورها التربوي الحقيقي، وعدم الإكتفاء بالدور الأكاديمي فقط. فالمدرسة ليست مؤسسة لتخريج الطلاب علمياً فحسب، بل هي مساحة لبناء الشخصية وغرس القيم والإنضباط وإحترام النظام العام. ومن واجب الإدارات المدرسية وضع ضوابط واضحة لأي نشاط طلابي، ومنع كل ما يتضمن إساءة أو فوضى أو تمييزاً إجتماعياً أو إعتداء على حقوق الآخرين. كما يجب أن تعمل على تنظيم أنشطة بديلة تحمل أبعاداً ثقافية وإنسانية وتطوعية، تُشعر الطالب بقيمة التخرج بعيداً عن الاستعراض والضجيج

كما تقع على عاتق وزارة التربية مسؤولية أساسية في متابعة هذه الظواهر ووضع أطر قانونية وتنظيمية واضحة للإحتفالات المدرسية، بما يحفظ هيبة المؤسسات التعليمية وحقوق الطلاب والمعلمين والرأي العام. فالتربية ليست مجرد مناهج وامتحانات، بل منظومة أخلاقية وثقافية متكاملة، وأي تساهل في هذا الجانب يهدد مفهوم المدرسة ورسالتها على المدى البعيد

إن الإحتفال الحقيقي بالتخرج لا يكون عبر الضجيج والاستعراض والإسراف، بل عبر تكريم العلم والإجتهاد، وإحترام المكان التربوي، ومراعاة مشاعر الآخرين وظروفهم الإجتماعية

فالمجتمعات الراقية تُقاس بقدرتها على الجمع بين الفرح والمسؤولية، وبين الحرية والإنضباط، وبين التعبير عن النجاح وإحترام القيم العامة

وفي زمن تتزايد فيه التحديات الأخلاقية والثقافية، تبقى الحاجة ملحّة إلى إعادة الإعتبار لمفهوم التربية بوصفها بناء للإنسان قبل أن تكون مجرد تحصيل علمي، وإلى حماية المدرسة من التحول إلى مساحة للفوضى الإجتماعية والاستهلاك المظهري، حفاظاً على قدسية التعليم وكرامة الطالب وهيبة المؤسسة التربوية