من الآلة الحاسبة إلى الذكاء الاصطناعي
(دروس وعبر و وعي)
بقلم : د. عبدالرزاق القرحاني
EYE Contact لموقع
بالأمس القريب كنت في لقاء تربوي، فيه حوار ونقاش حول الذكاء الاصطناعي، وآثاره على العالِم والمُعلم والمُتعلم و على المنهج الدراسي
فإذا بذاكرتي تعود بي إلى أيام الطفولة، عندما كنتُ في المرحلة الإبتدائية. كانت بداية ظهور الآلة الحاسبة في مدارسنا حدثاً غير مألوف، بل مثيراً للريبة
أتذكر جيداً نظرات الإستغراب، بل الإتهام أحيانًا، لكل طالب يجرؤ على إستخدامها بالسر أو العلن
كان المعلم يرى فيها كسلاً عقلياً، ويعتبر مستخدمها «سارقاً للمعلومة»، متجاوزاً جهد الفهم والحساب، ومتخلفاً عن روح المنهج العلمي كما كان يُقال في ذلك الزمان
أما الأهل، فكانوا أكثر تشدداً، ولعلّ الكلمة المحببة إلى قلبي "يا ولدي" كانت تلطف كلمات نُقشت في ذاكرتي
لن تتعلم الحساب يا ولدي إذا إعتمدت على هذه الآلة
وهكذا، صُنّف إستخدام الآلة الحاسبة يومها بوصفه خروجاً عن المألوف، بل تهديداً للتعلم الحقيقي وللعملية التعليمية
لكن الزمن، كعادته، قال كلمته.. وبعد سنوات قليلة، تغيّر المشهد بالكامل. أصبحت الآلة الحاسبة مدرجة رسمياً على لائحة الكتب والقرطاسية المدرسية، ثم سُمح بإستخدامها في الإمتحانات الرسمية، لا بوصفها بديلاً عن العقل، بل أداة مساعدة له
ولم يعد السؤال، هل نستخدمها؟.. بل أصبح، كيف نستخدمها بشكل صحيح؟
هذه الحقبة التاريخية لم أذكرها للذكرى فقط بل لتسليط الضوء عليها وأخذ الدروس والعبر منها
أذكرها لأنها معبرة عن الخوف من كل شيء جديد. وعن الميل الإنساني لمقاومة كل أداة تهزّ ما إعتاد عليه منذ زمن بعيد
أذكرها اليوم، لأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بأدوات متاحة للجميع وذات أثر عظيم، إنها التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي
فكما حدث مع الآلة الحاسبة، يواجه مستخدمو الذكاء الاصطناعي اليوم موجة من السخرية والاتهام.. ولسان حال معظم الناس يردد
- هذا ليس علمك يا أيها الإنسان ، هذا من إنتاج آلة هذا الزمان - أنت تقتل الإبداع، وتساهم بأن يكون "الغشّ المقنّع" مشاع
لكن هذه الإعتراضات، في جوهرها، لا تختلف كثيراً عن تلك التي وُجهت يوماً لمن استخدم الطباعة، بدل القلم والخط اليدوي. أو الحاسوب بدل الدفاتر
الذكاء الاصطناعي لا يلغي العقل البشري، بل يغيّر طريقة توظيفه. - بتوفير الوقت ليُستثمر في التحليل لا في التكرار. - وبفتح آفاق للفهم والمقارنة والتجربة. - وليساعد الباحث والمتعلم على الوصول إلى المعرفة
(المشكلة إذاً، ليست في الأداة، بل في وعي المستخدم)
من هنا، يجب أن لا نلتفت إلى الساخرين والمستهزئين والمعترضين، لأن التاريخ لا ينتظر المترددين. فكل نقلة علمية ومعرفية كبرى واجهت مقاومة، ثم أصبحت جزءاً من البديهيات
ولأن السخرية غالباً، تعبير عن الخوف من فقدان السيطرة، أو من العجز عن مواكبة التغيير
ولأن الإستمرار في المسير نحو الهدف ليس بحاجة لطلب الإذن من أحد، ومن يتوقف ليردّ على كل إعتراض، سيتأخر عن الركب
ولأن القيمة تُقاس بالنتائج لا بالضجيج، وما سيبقى هو الأثر، لا الآراء العابرة
وفي هذا المقام، لابد من تصويب هذا المسار، بوضع بعض الملاحظات والتوجيهات الأخلاقية والتربوية والعلمية، لمواكبة هذه الثورة الرقمية
علينا أن نستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة لا كبديل عن عقولنا. وأن ندعْه يساعدنا على التفكير، لا أن يفكر بدلاً عنّا. وأن نتحقق،، ونناقش،، ونعدّل. فالمخرجات ليست نصوصاً مقدسة، بل مواد أولية
وعلينا أن نجعل القيم حاكمة (للتقنية، والأمانة العلمية، وإحترام الحقوق، والمصداقية)
وأن لا ننسى العمل على تطوير مهاراتنا، ولا نكتفي باتكالنا على تلك الأداة القوية، التي تتطلب مستخدماً أكثر قوة ومهارة و وعياً وتدقيقاً بمصادر المعرفة
بالإضافة إلى أن لا نلتفت إلى كل إستهزاء… بل نركّز على البناء... فالذين يسخرون اليوم، سيستخدمون غداً ما سخروا منه، كما فعلوا من قبل
وعلينا أن نعلم، بأنه كما دخلت الآلة الحاسبة الصفوف من باب الإتهام ثم خرجت من باب الإعتراف
سيدخل الذكاء الاصطناعي في مستقبل التعليم والعمل والفكر. وسنُسأل لاحقًا لماذا تأخرنا عن تعلمه وتعليمه واستخدامه
