· مقالات

عصر البلطجة

بقلم: د. عبدالرزاق القرحاني

EYE Contact لموقع

لم يعد العالم اليوم محكوماً فقط بقواعد القانون أو ميزان القيم، بل بات يعيش ما يمكن تسميته بـ عصر البلطجة

عصر تُفرض فيه الإرادات بالقوة، ويُستبدل فيه منطق الحق بمنطق الغلبة، وتُدار فيه العلاقات بين الدول بعقلية الابتزاز والتهديد، لا بعقلية العدالة والشراكة الإنسانية

البلطجة لم تعد فعلاً فردياً، بل تحوّلت إلى منهج سياسي واقتصادي وثقافي

نراها في الشارع حين يُسحق الضعيف، وفي السياسة حين تُكمّم الأفواه، وفي الاقتصاد حين تُنهب الشعوب باسم الأسواق الحرة، وفي العلاقات الدولية حين تُدمَّر الدول تحت ذرائع زائفة

في عصر البلطجة، تتراجع القيم، وتُفرَّغ المبادئ من مضمونها، ويُعاد تعريف “القوة” على أنها حق مطلق، فيما يصبح القانون مجرد أداة بيد الأقوى

أول ضحايا البلطجة هو الإنسان, في كرامته وحريته وأمنه. ومن ثم الدول، في انهيار المؤسسات الحقوقية والسياسية ، وشرعنة الفساد والاستبداد. وبتطبيق العدالة على الضعفاء والتغاضى عن جرائم الأقوياء. التاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن البلطجة، مهما طالت، مصيرها السقوط

الإمبراطوريات التي قامت على القهر والغزو، انهارت حين استنفدت رصيدها الأخلاقي والإنساني. والطغاة الذين حكموا بالقوة الحديدية سقطوا، وبقيت شعوبهم تحمل آثار الدمار لسنوات طويلة

التاريخ لا يرحم من يعتقد أن القوة الدائمة تصنع حقاً دائماً. فالقوة التي لا يضبطها قانون ولا أخلاق، تنقلب على أصحابها عاجلاً أم آجلاً

مواجهة البلطجة ليست مهمة طرف واحد، بل مسؤولية مشتركة، بين الفرد والمجتمع والدول. فعلى مستوى الأفراد، يبدأ برفض الظلم والدفاع عن الحق ولو بكلمة. وعلى مستوى المجتمعات من خلال تعزيز ثقافة الحقوق والمساءلة. وعلى مستوى الدولة، تتجلى في بناء دولة القانون والمؤسسات. وعلى المستوى الدولي في وضع حد لازدواجية المعايير، وربط القوة بالمسؤولية لا بالهيمنة

عصر البلطجة قد يبدو اليوم سائداً، لكنه ليس قدراً أبدياً. فالتاريخ يُثبت أن الإنسانية، رغم كل الانتكاسات، تعود دائماً للبحث عن الحرية والعدالة