حين تُشرّع الدولة الظلم وتؤجّل العدالة إلى أجلٍ غير مسمّى
الدكتورة سمر أدهم
EYE Contact لموقع
بعبقريةٍ تشريعيةٍ لا تخطئ الهدف، تعلم هذه الحكومة، ضمناً أو علناً، أن أكثر من عشرين مليار دولار قد حُوِّلت إلى الخارج منذ العام 2019، ومعظمها بأيدي سياسيين حاليين وسابقين، ومع ذلك تختار أن تُشرعِن العجز بدل أن تواجهه. تتحدّث عن غرامات مؤجَّلة إلى وقت لاحق، كأن الحقوق تُستعاد بالتقسيط، وكأن الأموال المنهوبة تنتظر مزاج السلطة. أما البدء الفعلي، أي باسترداد كامل هذه الأموال، فلا مكان له في أولويات «الإصلاح» المزعوم. وبدل أن تبدأ من حيث يجب، تُتقن هذه الحكومة مرة جديدة فنّ الالتفاف، فتحمي المتورطين وتُحمِّل الكلفة لمن لا حول له ولا قوة: المودعين، أصحاب الحقوق المسلوبة
مرة أخرى، تُثبت هذه الحكومة وهذا العهد معاً عجزهما البنيوي عن اتخاذ أي قرار إصلاحي حقيقي، إذ لم يأتِ قانون «الفجوة المالية» الذي صوّتت عليه سوى كتأكيد إضافي على فشلٍ متراكم، لا على مسار تصحيح أو إنقاذ. ولسنا بحاجة إلى أن نكون خبراء اقتصاديين لندرك حجم الظلم الذي سيلحق بالمودعين، أو لنسأل بوضوح: هل بهذا التشريع تُبرَّأ الدولة من مسؤولياتها؟ وماذا لو عجزت المصارف عن إعادة أموال أصحابها وفق الجداول الزمنية التي وُضعت، متذرّعةً بأي عذر أو ظرف؟ ولماذا يُطلَب من المودعين أن يصبروا سنوات إضافية على استرداد حقوقهم، إذا كانوا قد صبروا أصلاً أكثر من ستّ سنوات، من دون أي ضمانة فعلية أو تعويض؟
هذا ليس نقاشاً مالياً ولا اجتهاداً تشريعياً، بل اعتداء موصوف على حقوق الناس، ومحاولة مكشوفة لتمرير قانون بأصوات محدودة وتسويقه كـ«إنجاز تاريخي»، في رسالة موجّهة إلى الخارج وصندوق النقد الدولي. أما الحقيقة الوحيدة الثابتة، فهي أن دولةً تؤجّل الغرامات، وتؤجّل المحاسبة، وتؤجّل استعادة الأموال المنهوبة، لكنها لا تؤجّل مصادرة حقوق مواطنيها، ليست دولة إصلاح… بل سلطة تؤجّل العدالة إلى أجلٍ غير مسمّى، وهذا تحديداً ما لم نكن نتوقّعه من قاضٍ ورئيس محكمة دولية
وهنا يفرض السؤال نفسه: أبهذا «العدل» تُعالَج الأمور؟ أبهذه الصيغة يُراد فرض ما تسمّونه إنصافاً على من خسر تعب عمره وتعويضه الوحيد؟ أي عدالة هذه التي تُطالِب الضحية بتحمّل الخسارة، فيما يُحصَّن المسؤولون عنها خلف قوانين مُفصّلة على قياسهم؟
وغير أن هذه الحكومة لم تكتفِ بعدم إعادة حقوق المودعين، بل تجاهلت في الوقت نفسه الإنهيار الفادح في رواتب العاملين، والتي تراجعت إلى مستويات مهينة، من دون أي خطة جدّية للتصحيح أو حتى اعتراف بحجم الكارثة الإجتماعية التي تسبّبت بها سياساتها وسياسات الحكومات المتعاقبة
إنّ إقرار مثل هذه القوانين لا يبدّد ما تبقّى من ثقة فحسب، بل يضع الحكومة نفسها في موضع المساءلة والسقوط، بعدما خالفَت الوعود التي على أساسها اعتقد اللبنانيون أنها ستأتي بإرادة الناس، فإذا بها تنفّذ سياسات لا تمتّ إلى مصالح المواطن اللبناني بصلة، ما يبرّر التساؤل عمّا إذا قد جيء بها لتنفيذ مطالب محدّدة، لا يدفع ثمنها إلا المواطن وحده
وماذا يُفترض أن ننتظر أكثر، يا فخامة الرئيس ويا دولة الرئيس؟ هل ننتظر الأسوأ؟ هل يكون ما ينتظر اللبنانيين هو التفريط بأصول الدولة، أو المسّ باحتياطي الذهب، وصولاً إلى التنازل عن ثرواتنا البحرية من نفط وغاز، كما حصل سابقاً في حقل كاريش؟ أم أن هذا المسار، بكل ما يحمله من خطوات متتالية، يبدو وكأنه يسير وفق إيقاع ضغوط خارجية معروفة، تُترجمها زيارات المبعوثين المتكرّرة، فيما يُترك الداخل لمصيره، ويُطلب من اللبنانيين وحدهم أن يدفعوا الثمن مرة جديدة، بصمتٍ وانتظار؟
